فلسفة السرد النسوي
هبة بنداري نموذجا .
********
بقلم الدكتور / رمضان الحضري
متابعة /إيمان الحملي
ما غابت المرأة المبدعة عبر التاريخ أبدا ، ولا يذكر التاريخ
العالمي فترة من فتراته يختفي دور المرأة ، فكانت حتشبسوت في مصر القديمة وعدد غير قليل من السيدات العظيمات في مستوى حتشبسوت أو أقل ربما ، وفي بلادنا العربية يذكر التاريخ أكثر من ثلاث مائة شاعرة عاشت قبل الإسلام منهن
الخنساء والسيدة صفية عمة النبي المصطفى صلوات الله عليه وسلامه ، كما ظهرت الشاعرات عبر كل العصور الادبية العربية ، وخاصة في بلاد الأندلس حيث تظهر رقة المرأة العربية بصفاء فكري وعقلي وعاطفي لا يقارن ، فالشاعرة أم الهنا ( سيدة عربية كانت تعيش في غرناطة في القرن السادس الهجري ،
وكانت تقوم بتعليم الصبية ، وتحث الرجال على العلم ، وتقدم أفعال الخير للرجال والنساء ، وتقول الشعر غضا نديا : _
جـاءَ الكتـابُ مـن الحـبيـبِ بِأنَّهُ
سَيَزُورُني فاستعبرتْ أجفاني
غَـلَـبَ السـرورُ علـيَّ حتى أنـه
من عُظمِ فَرْطِ مسرَّتي أبكاني
يا عينُ صارَ الدمعُ عندكِ عادةً
تبكـينَ من فـرَحٍ ومن أحـزانِ
فاسـتقبـلي بالبِـشْـرِ يَـوْمَ لـقـائِـهِ
وَدَعي الدمـوعَ لِلَيْلَةِ الهجران
***********
نعم كل مجالات الحياة تخصص فيها الرجال منذ زمن
لعقدة خيلاء الذكورة ، حتى المجالات التي يظن الناس
أنها خاصة بالنساء فقط كالطبخ وزينة المنزل ، بل بعض
الرجال تجاوز الحد حتى وصل لدائرة الأنوثة ذاتها .
لكن الواقع يعلن على الملأ أن المراة حينما تدخل مجالا
فلا تدخله بصفتها امرأة عادية بل متميزة عن النساء والرجال
على السواء ، وهذا ماحدث عبر التاريخ قديما وحديثا ، ولن
أستقدم من التاريخ كثيرا ، فالسيدات اللواتي غيرن التاريخ
وأسهمن في التأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية
والفكرية كثيرات جدا والحصر بالألاف لا بالمئات .
وعلى سبيل المثال لا الحصر والعد قديما حتشبسوت وإيزيس والخنساء وجليلة بنت مرة وصفية بنت كعب ( أم عمارة ) ،
وخولة بنت الأزور وسكينة بنت الحسين في المشرق
وولادة بنت المسكتفي وأم الهنا في بلاد الأندلس .
وفي العصر الحديث في بلادنا فقط نذكر عائشة التيمورية
وعائشة عبدالرحمن بنت الشاطئ وسهير القلماوي وملك
حفني ناصف ونعمات أحمد فؤاد بنت مصر وسكينة فؤاد
وجاذبية صدقي وجاذبية سري ولطيفة الزيات وأمينة رشيد
وسيزا قاسم وفتحية العسال ورضوى عاشور ونوال السعداوي ومنى الصاوي ووفاء وجدي وعلية الجعار وحياة أبو النصر وجليلة رضا ويمنى العبد وآسيا داغر وغيرهن كثيرات .
والمرأة على المستوى العالمي أحدثت ضجة كبيرة في جميع
البلاد المتقدمة علميا ، وحسبنا أن نعرف أن الروائية الأمريكية دانيال ستيل كتبت أكثر من 30 رواية وحولت منها حوالي 22 رواية لأعمال فنية سينمائية ومسرحية وحكائية ، وقد باعت من رواياتها ما يزيد عن 800 مليون نسخة ، وأنها تتقاضى سنويا من دور النشر والسينما ما يزيد عن 14 مليون دولار ، وهذه ليست المرأة الأولى في العالم في بيع الكتب أو الشهرة ، فهناك ج . ك رولينج صاحبة سلسلة هاري بوتر الشهيرة والتي باعت أكثر من 45 مليون نسخة من رواياتها ، وتحصل سنويا من دور النشر والسينما على ما يصل غلى 19 مليون دولار ، وهناك كاتبات حصلن على جائزة نوبل ، مثل توني موريسون التي حصلت على نوبل
في الآداب عام 1993م ، والكاتبة سفيتلانا ألكيس الببلاروسية التي حصلت على الجائزة في عام 2015م ، وهناك من النساء
العربيات اللائي خضن المعركة لتبرزن جنبا إلى جنب مع المغربيات مثل الكاتبة الجزائرية آسيا جبار التي وصلت إلى عضوية الأكاديمية الفرنسية ، وهي أول عربية تصل إلى هذا المنصب ونازك الملائكة التي غيرت موسيقا الشعر العربي كله . وسوف أقدم نموذجا حيا للسرد النسوي لنكتشف كيف تكتب الأنامل النسائية ، وكيف يعمل العقل النسائي بروح وثابة .
قصة قصيرة بعنوان ( الانتظار ) للروائية المصرية
/ هبة بنداري تقول فيها : _
******
( تحاور روحه روحي ، وكأننا في عناق لا نهاية له ، يفهمني
ويشعر بي ، وأنا أقرأ كل خلجة منه . هناك في مكان لاوجود له
إلا في خيالنا نجلس متجاورين، أحدثه ويحدثني، يشاكسني
،أضحك ،يتعبه غيابي ،أغير عليه، يعذبه جنوني ،لكن ستائر
الواقع تحجبنا، لا أراه ولا يراني .ربما هو طيف أتى من زمن بعيد يغزو أحلامي ،أو قد يكون همسة شجية تهدئ آلامي .يا ترى!
من أنت يامن تذيب الروح شوقا وتشعلها حنينا؟ أتراك وجعا جديدا جاء ليضاف إلى أوجاعي؟ عندما يولد النهار من رحم الليل وتغرد الطيور وتقبل الزهور نداها تحين ساعة لقائنا ويضمنا حديث طويل بين ليل ينقضي ونهار يشق الطريق ليصل في موعده ،وعندما يغرد كروان قلوبنا تحين لحظة فراقنا على موعد جديد لم نحدده. أغلقت الشات ونهضت من مكاني وأنا أردد : _
سأعيش الواقع ،كفاني أوهاما
قد تشدني أحلامي إلى واقع غير مرئي ،وتكبلني بقيود من حديد ،لطالما حلمت بذلك الأمير الذي يخطفني على حصانه الأبيض يأسرني ويسجنني في قلعة الأحلام ،يطعمني حبا ويسقيني شوقا ،هذا حلم حقا جميل ،لكنه يجعلني أسيرة للأحلام ،أعيش على القمر وألتحف بالنجوم ،لن يتحقق أبدا في الواقع ، لأنه ببساطة لم يعد هناك أمراء ولا أحصنة بيضاء ولاليالي قمراء صرخت في وجه أمي وأنا أهز رأسي بعنف حتى أفيق أبلغيه أنني أوفق على الزواج منه ،يكفيني ماانتظرته تبا لانتظار حلم لا أدري هل سيتحقق ؟ وتبا لفارس لست أدري متى سيظهر ، وتبا للحب الذي يفيض بكياني والذي أعيش وأحيا بين جدرانه، وتبا لأيام عمري التي تنقضي يوما وراء الآخر دون أن أقابل ذلك الفارس الملثم بالحياء ) .
************
لاتزيد عدد كلمات القصة عن 253 كلمة متنوعة اصطفاء الكاتبة هذه القصة نوع من السباحة الإنسانية في ملكوت المرأة ،فهي لاتعتني بالمكان ولا الزمان ولا الأحداث ، إنما الحدث في القصة هو الشعور النسوي الحقيقي ، شعر الاكتمال/ النقص فالكلمات نوع من التصوف في الحب ، وبطل القصة هو وجدان المرأة ، تصل الكاتبة بالقصة لمرتبة الأغنية الخفيفة الراقية فتقدم للقارئ نوعا من السرد الانتقائي أقرب للسرد الذاتي منه عن السرد عن الغير ، قصة عبارة عن حديث داخلي ( مونولوج ذاتي ) ، حديث لايشف عن البشرية بل يبرز لنا المرأة في كامل زينتها العقلية والانفعالية والشعورية هي قصة الرسالة والخطاب والأغنية والشعر ، وهبة بنداري هنا تحاور وجدانا داخل وجدانها ، تخرجه من مشاعرها لتحادثه ثم تعيده داخل المشاعر مرة أخرى ، ما أنقى أن يكون السرد سردا حالما لأنه في هذه الحالة سيكون نوعا من نعومة الحرير ، وما أسمى أن يكون السرد عن مشاعر عامة / خاصة في ذات الوقت لأنه سيكون سردا لايعرف الحدود ولا الدول ، بل حدوده ستكون سماء الإنسانية بكل ألوان البشر وكل معتقداتهم .
حينما تفلسف المرأة العربية مشاعرها فإن حدودها الدين
والمعتقدات والعادات والتقاليد ، هنا السرد ينام في كوخه
بعيدا عن كل هذا ليختار لنفسه دين الحب ، ومعتقدات الصدق وعادات المشاعر وتقاليد الوجدان ، فالسرد يضيف للمجتمع فكرا جديدا .
